صفحة أبونا أغناطيوس الأنبا بيشوي

صفحة المتحدث الرسمي بإسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية

تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 التجديف علي الروح القدس
القديس اغسطينوس
المقالة الرابعة

رابعًا: هل يقصد “بالتجديف” هنا المعنى العام لها أم الخاص؟

إخوتي… أنصتوا إليﱠ بآذانكم أما قلوبكم فارفعوها إلى الرب ... أحبائي … إنني أخبركم بأنه ربما لا يوجد في الكتاب المقدس سؤال أهم وأصعب من هذا السؤال

لذلك كنت أتجنب الحديث عنه أثناء عظاتي للشعب … ليس بسبب عدم تفكيري فيه إذ أنني لم أهمل السؤال والطلب والقرع من أجل موضوع على جانب كبير من الأهمية كهذا الموضوع … وإذ استمعت إلى فصل إنجيل اليوم … أحسست بنبضات قلبي ترتفع أثناء قراءته، حتى اعتقدت أن إرادة الله هي أن تسمعوا مني شيئا عن هذا الموضوع.

أطلب إليكم أن تنظروا إلى قول الرب … فإنه لم يقل ” لا يغفر أي تجديف على الروح القدس” ولا قال ” من يقول أي كلمة”. 

بل قال “مَنْ قَالَ كَلِمَةً …” (مت 12: 32) فلو ذكرت كلمة “أي” لما أمكن للكنيسة أن تحتضن أي إنسان خاطيء أو شرير أو مقاوم لعطية المسيح ولمقدسات الكنيسة، سواء أكان هذا الإنسان يهوديًا أو أمميًا أو وثنيًا أو مهرطقا …

بل ولما أمكنها تحتضن حتى الضعفاء من المسيحيين الذين ينتمون للكنيسة الجامعة نفسها. وحاشا أن يكون قصد الرب هكذا. أقول حاشا أن يقول الرب “كل أو أي تجديف وكلمة على الروح القدس ليس لها غفران”.

فلو أخذنا النص بمعنى أن “كل” كلمة ليس لها غفران فمن يستطيع أن يخلص؟! وفي نفس الوقت لو قلنا أن بأن كل كلمة على الروح القدس ليس لها غفران إلى الأبد لكنا مناقضين لأقوال المخلص. 

إذاً بلا شك توجد تجديفات وكلمات معينة لو قيلت على الروح القدس لا يكون لها غفران. ولكن ما هي هذه الكلمة التي بلا غفران؟ هذه هي إرادة الله أن نسأل السؤال السابق دون أن يوضحه لنا، إرادته أن نسأل لا أن نعترض على كلماته …

ملحوظة :

غالبًا ما يستخدم الكتاب هذه الطريقة وهي أن يعبر عن أمر معين بدون تحديد، إن كان يقصد به المعنى العام أو المعنى الخاص وعندئذ لا توجد ضرورة لأخذه بالمعنى العام أو الخاص. فهو لم يستخدم كلمة “كل” للتعميم أو “بعض” للتخصيص… أي لم يذكرها لا في صيغة عامة ولا في صيغة خاصة.

أمثلة :

1ـ حتى يظهر لكم ذلك بأكثر بوضوح تأملوا قول الرب نفسه عن اليهود “لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ جِئْتُ وَكَلَّمْتُهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ” (يو 15: 22). فهنا لم يحدد أي معنى- هل المعنى العام أم الخاص، فيبدو كأنه يقصد بأن اليهود ما كان عليهم أي خطية لو لم يكن المسيح قد جاء وتكلم معهم. مع إنه بالحقيقة قد جاء فوجدهم مثقلين بالخطايا … فكيف لم تكن لهم خطية لو لم يكن المسيح قد جاء؟!… إنه لم يقل “أي خطية” لئلا يكذب الحق، ولا قال بصيغة خاصة “بعض الخطايا” حتى يدربنا على الشغف بورع نحو البحث. 

لأن الكتاب المقدس غني بالأجزاء الواضحة التي نتغذى بها وبالأجزاء الغامضة التي نتدرب بها. فبالأجزاء الأولى يُطرد الجوع وأما بالثانية فنحصل على اللذة. 

فبقول المسيح هذا… لابد أن يكونوا اليهود قد ارتكبوا خطايا معينة لم يرتكبوها قبل مجيئه… وهي “عدم الإيمان به”… فبقوله “لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ” (يو 15: 22) لا نفهمها على أنه لم تكن لهم أي خطية بل “لم تكن لهم خطايا معينة. كذلك عندما نسمع فصل إنجيل اليوم “التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ” (مت 12: 31) لا نفهمه على أنه “أي تجديف” بل أنواع معينة من التجديف… 

2ـ وإذ قيل الله “لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً” (يع 1: 13) فلا يفهم أن الله لا يجرب أحدًا بأي نوع من التجارب، إنما لا يجربه بتجارب معينة، لئلا يكون باطلا المكتوب“الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ (يجربكم)” (تث 13: 3)… فالله لا يجربنا بالتجربة التي تقود إللى الخطية، لكنه يهبنا أن نُجرب بالتجربة التي تمتحن إيماننا. هكذا عندما نسمع “مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ” (مر 3: 28) لا نفهمها على “من جدف بأي تجديف” إنما “من جدف بتجديف معين”.

3ـ هكذا أيضًا عندما نسمع “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر 16: 16) فبالطبع لا نفهمها على أنه يقصد كل من يؤمن، مهما كان إيمانه فـ “الشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ” (يع 2: 19) كما لا نفهمها على جميع الذين اعتمدوا، فسيمون الساحر رغم قبوله المعمودية إلا أنه لم يكن من السهل أن يخلص… فقوله “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ” (مر 16: 16) لم يقصد به جميع الذين آمنوا واعتمدوا إنما بعضهم، هؤلاء الراسخون في ذلك الإيمان الذي وضحه الرسول بولس بأنه “الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غلا 5: 6).

4ـ كذلك قول السيد المسيح “مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو 6: 56) هل يمكن أن يقصد به كل من يأكله يشربه حتى أولئك الذين قال عنهم الرسول “يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ” (1 كو 11: 29) ؟! 

لقد أوضح لوقا الإنجيلي أن يهوذا أكل وشرب مع بقية التلاميذ في العشاء الرباني الأول من جسد الرب ودمه اللذين قدسهما بيده، ومع ذلك هل ثبت يهوذا فيه وهو في يهوذا؟! 

هل يثبت في المسيح من يتناول ذلك الجسد ويشرب ذلك الدم بِرِِياء؟! أو من يرتد عن الإيمان المسيحي بعد تناوله؟! 

فكما أنه ليس كل من يأكل جسد الرب ويشرب دمه – بأي طريقة ما- يثبت في المسيح والمسيح يثبت فيه، إنما يقصد الرب أن يتم التناول بطريقة معينة، 

هكذا في قوله “مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ” (مر 3: 28) قصد من جدف بطريقة معينة…

فالله يريد منا أن نبحث ونفهم هذه العبارة …..

مقالات الأباء

JSN Epic template designed by JoomlaShine.com