أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ
في ليلة الآلام، بينما كانت قلوب التلاميذ مضطربة بسبب حديث الرب عن الصليب، فتح السيد المسيح أمامهم باب الرجاء قائلاً: { أنا هو الطريق والحق والحياة}. لم يقل الرب: أعرفكم الطريق، بل قال: أنا هو الطريق. ولم يقل: أعلمكم الحق، بل قال: “أنا هو الحق”. ولم يقل: أمنحكم حياة، بل قال: “أنا هو الحياة”. فهو الطريق الذي يقود إلى السماء، والحق الذي يحرر النفس من الضلال، والحياة التي تغلب الموت والفساد.
أولًا: المسيح هو الطريق
منذ سقوط الإنسان، صار الطريق إلى الله مغلقًا بسبب الخطية، لكن الرب يسوع جاء ليصالح الإنسان مع الآب بدم صليبه وبالصليب فتح لنا الطريق إلى الأقداس. لذلك يقول القديس بولس: { فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ… طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا} (عب ١٠: ١٩-٢٠).
المسيح هو الطريق في اتضاعه وطاعته ومحبته وبذله واحتماله للألم وغفرانه للأعداء. فالذي يريد أن يصل إلى السماء، لا بد أن يسير في طريق المسيح. يقول القديس القديس أنطونيوس الكبير: «إن أردت أن تخلص، تمسّك بالمسيح، لأنه هو الطريق الذي لا يضل سالكه». لقد سار القديس أنطونيوس وراء المسيح، فترك العالم كله عندما سمع الإنجيل يقول:
«إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ».
فسار وراء الرب في برية قاحلة، لكنها تحولت إلى سماء مليئة بالتعزيات الإلهية. وكذلك القديس الأنبا بولا الذي هرب من مجد العالم الزائل ليحيا مع الله وحده، فصار قلبه ممتلئًا سلامًا وفرحًا سماويًا.
الطريق إلى الله ليس مجرد معرفة عقلية، بل شركة حياة مع المسيح. فالذي يسير مع المسيح لا يتيه، حتى لو كانت الطريق ضيقة.
ثانيًا: المسيح هو الحق..
العالم مليء بالأفكار المتغيرة والآراء المتناقضة، لكن الحق الحقيقي والثابت هو شخص ربنا يسوع المسيح. لذلك يقول لنا { وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ}(يو ٨: ٣٢). السيد المسيح هو الحق: لأنه كلمة الله المتجسد ولأنه أمين في مواعيده ولأنه لا يتغير ولأنه نور العالم. كل من يبتعد عن المسيح يعيش في ظلمة الحيرة والخداع، أما من يثبت فيه فيمتلئ نورًا وتمييزًا. يقول القديس أثناسيوس الرسولي: «المسيح هو الحق الذي لا يشيخ، وكل تعليم يخالفه هو باطل مهما بدا مقنعًا». لقد دافع القديس أثناسيوس عن الإيمان المستقيم وسط اضطهادات ونفي وآلام كثيرة، لأنه تمسك بالمسيح الحق. كان العالم كله تقريبًا ضده، لكن لأنه ثبت في الحق، بقي اسمه كقديس بارز في الكنيسة الجامعة إلى اليوم. وكذلك القديس كيرلس الكبير الذي جاهد من أجل الإيمان القويم، مؤكدًا أن المسيح هو الإله المتجسد، وبه وحده ننال الخلاص والحياة. الإنسان الذي يعيش في الحق، يكون نقي القلب وصادق اللسان وأمينًا في معاملاته وثابتًا في إيمانه. فالحق ليس كلامًا يُقال، بل حياة تُعاش.
ثالثًا: المسيح هو الحياة...
أكبر مشكلة واجهت البشرية هي الموت، لكن المسيح جاء ليهبنا حياته الأبدية. والسيد المسيح يؤكد انه
{ أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ}(يو ١١: ٢٥). الإنسان بعيدًا عن الله قد يكون حيًا بالجسد لكنه ميت بالروح، أما الذي يتحد بالمسيح فيصير حيًا مهما كانت ظروفه.
الحياة التي يعطيها لنا المسيح هى حياة القداسة والفرح والسلام والنصرة على الخطية والحياة الأبدية. انظروا إلى القديسة مريم المصرية. كانت ميتة بالخطية، لكن عندما التقت بالمسيح الحقيقي تغيّرت حياتها بالكامل، وتحولت من حياة النجاسة إلى حياة القداسة والنقاوة، حتى صارت مثالًا للتوبة العميقة. وكذلك القديس أغسطينوس الذي عاش سنوات في الضياع، ثم صرخ إلى الله، فاختبر الحياة الجديدة في المسيح وقال عبارته الشهيرة: «خلقتنا لك يا الله، ولن تجد نفوسنا راحة إلا فيك». الحياة مع المسيح ليست مجرد أيام نعيشها، بل امتلاء داخلي بالنعمة. حتى وسط الألم، يشعر المؤمن أن المسيح حي فيه ويقوده.
كيف نسير في المسيح الطريق والحق والحياة؟
١- بالإنجيل، فالإنجيل هو صوت المسيح الحي.
كل يوم نقرأ فيه كلمة الله، نكتشف الطريق الصحيح.
٢- بالتوبة المستمرة.. التوبة تعيد الإنسان إلى الطريق بعدما يضل.
٣- بالأسرار المقدسة خصوصًا الاعتراف والتناول من جسد الرب ودمه ففي الإفخارستيا نتحد بالمسيح الحياة. يقول الرب: { مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي}(يو ٦: ٥٧).
٤- بالصلاة فالصلاة تحفظ القلب ثابتًا في المسيح.
٥- بحياة المحبة والبذل لأن من يسلك مع المسيح ينبغي أن يحمل روحه وفكره. ربما يشعر الإنسان أحيانًا أنه تائه، أو أن الطريق صعب، أو أن العالم مملوء ظلمة وخوفًا، لكن تعزية المسيح لنا أنه لم يتركنا وحدنا نبحث عن الطريق، بل صار هو بنفسه الطريق. هو يمسك بيد أولاده ويقودهم. ومن يسير مع المسيح، حتى إن تعثر، يقيمه الرب ثانية. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: «لا تخف من الطريق الضيق، لأن المسيح نفسه يسير معك فيه».
+ يا ربنا يسوع المسيح، أنت هو الطريق الذي يقودنا إلى حضن الآب، وأنت هو الحق الذي ينير عقولنا وقلوبنا، وأنت هو الحياة التي تغلب موت الخطية واليأس. نسألك يا رب أن تمسك بأيدينا وسط طرق هذا العالم المظلمة، فلا نضل بعيدًا عنك. ثبّتنا في إيمان كنيستك المقدسة، واحفظنا في حقك الإلهي.
علّمنا أن نسير وراءك كما سار القديسون، في الطهارة والاتضاع والمحبة والصبر. امنحنا قلبًا تائبًا، وروحًا ثابتة، وإرادة مشتاقة إليك. يا من أقمت القديسين وأنرتهم بنعمتك، أنر حياتنا نحن أيضًا، لكي نصير شهودًا لك في هذا العالم. أعطنا أن نحيا بك، ونثبت فيك، ونصل أخيرًا إلى ملكوتك الأبدي، حيث الفرح الذي لا ينتهي، مع جميع قديسيك. ولك المجد والقوة والكرامة والسجود، مع أبيك الصالح والروح القدس،
الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
القمص أفرايم الأنبا بيشوي

