صفحة أبونا أغناطيوس الأنبا بيشوي

صفحة المتحدث الرسمي بإسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية

"كان يوسف خطيبها بارا" (متى 1 : 19 )
.. نقف إجلالاً وإكراماً لذلك الرجل المختفي الذي لم ينطق بكلمة واحدة لا بلسانه ولا في الكتب ، وحتى الأناجيل لم تذكره إلا ما جاء في إنجيل متى عند سرده لقصة ميلاد يسوع حيث قال عنه :
"كان يوسف خطيبها باراً" (متى 1 : 19 ) .
تجاهل الباحثون والمؤرخون ذكره، وحتى الكهنة والوعّاظ "مع الأسف" في عصرنا الحاضر تناسوه في خطبهم ومقالاتهم ..
الروحانيون وأصحاب التقوى والفضيلة والذين هاموا بحب المسيح وذاقوا طعم التجرد والتضحية ونكران الذات، هؤلاء وحدهم رفعوه إلى المقام السامي الذي لم ينله أحد سواه فأعتبروه :

" أشرف قديس ... بتولاً ... عفيفاً ... زين الأبكار ... يوسف المختار ... كاملاً بالفضائل ... مملوءا من الانعام ... شاهدا لسر الفداء ... أبا ومربياً للأيتام ... شفيع العوائل ... جليلاً في الأنام ... فخر العباد ... شفيع العمال ... شفيع الميتة الصالحة ... وصديق الله " .

خطب يوسف فتاة طيّبة من أهل الجليل أسمها " مريم " من عائلة متواضعة تعيش كفاف يومها بسعادة وقناعة ، تخدم في الهيكل وتتعبّد لربها . اتفق يوسف معها ومع أهلها على أن تكون زوجته ، وذهب يوسف بفرح عظيم يجهّز بيته المتواضع الكائن في بلدة الناصرة ليكون مسكناً لمريم.

يوسف ، الصدّيق والبار ... لم يخطر على باله يوماً أن مريم ستكون أم المخلص المنتظر ، وأن الملاك جبرائيل قد حمل اليها البشارة، رغم كونه متعمقا بكل ما جاء في الكتب المقدسة عن المسيح المنتظر وعن كيفية مجيئه وما قيل عنه في سفر إشعياء النبي : هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ... (إشعياء 7 : 14 ) .

كان يوسف ينتظر الخلاص من الله شأنه شأن سائر شعب الله المنكوب ، لأنه بعد أن مدّ الفقر والاستياء أذياله على عموم الناس كان الجميع ينتظر بفارغ الصبر رسولا من السماء ينعش ويعيد روح الله في قلوب البشر .

وحدث ليوسف ما لم يحدث لغيره سواه ... عندما أراد أن يأتي بخطيبته الى بيته ، وجـــدها ( حبلى ) . تنتظر مولوداً ... فأضطرب وخاف كما جاء في الإنجيل ، وتساءل ما عسى أن يكون هذا ، فأحتار في أمرها ..
وهكذا تعرّض يوسف لمحنة قاسية أوشكت أن يؤدي بعلاقته مع مريم الى حد القطيعة والإنفصال : فهو يعتبرها شريكة عذراء طاهرة ، وإذا بها حبلى ..
ذلك يفوق إدراك عقله ، لكن رغم ذلك لم يفقد صوابه ولا تفوّه بكلمة لا مع مريم ولا مع غيرها حول أي نوع من القلق والظنون لأنه كان مقتنعا ببراءة مريم خطيبته ، ولم يسيء الظن بها مطلقاً ، ولكن عدم تمكنه من ايجاد تفسير لما يراه عليها من تغييرات ، دفعه الى أن يتخذ قرارا بتخليتها سرّا دون إثارة اية ضجّة تلحق بها الضرر ، لأنه مجرّد أن يخبر عن سرّها تنال مريم عقوبة الرجم حتى الموت بحسب الشريعة اليهودية ، لكنه لم يفعل ، قد يكون باعتقادي لهذا الأمر بالذات يدعوه الانجيل : البار ... الصدّيق .

لم يتركه الله طويلا في حالة الشك والاضطراب ، فارسل له الملاك وأخبره حقيقة مريم وشجّعه وأفهمه بأن الرب أختاره هو أيضا لتحمّل أعظم مسؤولية ألقيت على عاتق بشر، ليكون أبا ومربياً لإبنه الوحيد يسوع المسيح ، من دون تأثير على حريته أو الضغط على قراره .
عندما أدرك يوسف مقاصد اللهغ وتدابيره من الملاك أستجاب لها وأندمج معها ، فآمن بالسر الكبير وقبل المهمة التي كلّفه بها الله أن يكون أمام المجتمع الأب الشرعي ليسوع الذي كان الجميع يكنّونه بإبن النجار .(يوحنا 6 : 42 ) .

هكذا آمن يوسف وأحتفظ بمريم وأتى بها الى بيته فرحاً مسروراً لهذا الشرف السامي الذي خصّه به الله ليكون مربياً ليسوع ابن الله .
عندما ولد يسوع تهلل قلبه من أصوات الملائكة وهم ينشدون المجد والسلام بمولده . مع مريم أستقبل الرعاة والمجوس الذين أتوا من الشرق ليسجدوا له . مع مريم هرب بيسوع الى مصر لما أوحي اليه أن حياة الطفل مهددة . مع مريم ويسوع ذاق طعم التشرد والهرب والغربة والإنتظار ، لكنه كان ينعم بفرح كبير كونه حارس مخلّص العالم . نذر يوسف حياته كلها مضحياً بكل ما لديه للعناية بيسوع وبأمه مريم . أحبّهما من كل قلبه لذلك أستحق أن يموت ميتة صالحة بين يدي يسوع ومريم العذراء .

هذا هو يوسف الذي ضرب أروع مثال في التضحية والعطاء ونكران الذات خدمة لخير البشرية الأكبر الذي سيحققه ابنه يسوع يوما ما ، ويكفيه شرفاً وفخراً وهو الرجل المتواضع المختفي أن يكون قد أوصل بالتعاون مع مريم ابنه يسوع الى كمال الرجولة من خلال تربية متكاملة الجوانب

هذه كانت رسالة يوسف وتضحيته العظمى .. فهل نجد اليوم أمثال يوسف ... ؟؟ حتى من بين المكرسين للرب ...!!! عرفوا حقا معنى التضحية وذاقوا طعم التجرد وذهبوا الى أقصى حدود في نكران الذات لإجل خلاص النفوس .
أختم كلامي عن هذا القديس العظيم بما قالته في شفاعته القديسة تريزا التي من افيلا. قالت: "اناشد بالرب جميع الذين يشكّون في كلامي عن قوة شفاعة القديس يوسف، بأن يجرّبوا الأمر هم انفسهم، فيتأكد لهم كم شفاعته قادرة، وكم يجنون لذواتهم من الخير اذا كرّموا هذا الأب الأكبر المجيد، والتجأوا إلى معونته".