صفحة أبونا أغناطيوس الأنبا بيشوي

صفحة المتحدث الرسمي بإسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية

عودة لموضوع جماليات الطقس القبطي:
------
مقدمة طويلة للموضوع تهم الناس إللي بيسألوا عن الفرق بين التأمل الروحي في الطقسي؛ ومعنى الحركات الطقسية كما قصدها من وضعها في القداس!!
الطقس (التعبدي) بدأ في العهد القديم بأوامر مباشرة من الله بعمل فرائض محددة لأسباب محددة منها ماهو رمزي للمسيا القادم (الذبائح وغيرها) ومنها ماهو تعليمي للشعب من أجل فهم قصة الخلاص بالأساس.
وكان السبب في هذه الفرائض الطقسية، أن الروح القدس قد فارق الإنسان منذ السقوط، وبالتالي لم يعد الإنسان قادرا على الفهم الروحي، كطفل لا يستطيع أن يفهم إلا من خلال أمثلة مادية ملموسة قد وضعت لزمان التجديد (إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ) حيث يعود الإنسان إلى صورته الأولى قبل السقوط. {فَتَحْفَظُونَ كُلَّ فَرَائِضِي، وَكُلَّ أَحْكَامِي، وَتَعْمَلُونَهَا. أَنَا الرَّبُّ}
ولم يترك الله الإنسان بلا فهم لهذه الطقوس، بل كان يشرح لهم الهدف من الطقس ومن الشريعة!
فعلى سبيل المثال شريعة الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة، ولماذا إعتبر الله أن هذه الحيوانات نجسة، وكيف يخلق الله حيوانات نجسة؟؟! والمحاولات البائسة من [علماء!] كُثر يحاولون البحث والتبرير في هذه الحيوانات وأنها ضارة للإنسان وأن الله منع الإنسان عنها من أجل مصلحته!!! إلى آخر ما نسمع ونقرأ من ترهات كثيرة!! بينما الله في الحقيقة ذكر لنا السبب المباشر دون تأويل أو إستنتاج فقال:
{أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي مَيَّزَكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ. فَتُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، وَبَيْنَ الطُّيُورِ النَّجِسَةِ وَالطَّاهِرَةِ. فَلاَ تُدَنِّسُوا نُفُوسَكُمْ بِالْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ، وَلاَ بِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِمَّا مَيَّزْتُهُ لَكُمْ لِيَكُونَ نَجِسًا.}
يعني بإختصار ربنا بيقول: أنا ميزت هذه الحيوانات لكي يطلق عليها [نجسة] ليس بسبب عيب فيها ولا لأنها مضرة! فأنا لم أخلق شيئا ما نجسا أو دنسا! بل فقط لكي أعطيكم صورة تعليمية مادية أمامكم لتعرفوا (وتظل هذه المعرفة في ذهنكم على الدوام كلما نظرتم لهذه الحيوانات)، أنني ميزتكم من بين الشعوب ليتجسد منكم المسيح كما ميزت بين الحيوانات هذه وتلك!
هو ده الهدف من الطقس... سواء في العهد القديم أو الجديد.. بيان عملي في صورة مادية كوسيلة إيضاح لشرح العقيدة وتثبيتها في الذهن على الدوام! (راجع طقس السبت، وطقس الذبائح، وطقس الختان، وطقس الأعياد، وطقس خيمة الاجتماع...إلخ)
وبالمناسبة هو ده نفس السبب إللى من أجله لُعِنَتْ الحية على الرغم من أنه ليس لها ذنب في دخول الشيطان فيها وكلامه مع حواء من خلالها، فجعلها الله صورة مادية ماثلة أمامنا لتذكرنا على الدوام بقصة السقوط وحاجتنا للفداء! فكلما رأيناها وهي تزحف على بطنها في التراب نتذكر ما فعله الشيطان معنا منذ البدء.
-------
نعود للطقس القبطي... لم يعد الطقس في العهد الجديد فرائض وأحكام وأوامر واجبة التنفيذ كما هي في العهد القديم {فَتَحْفَظُونَ جَمِيعَ فَرَائِضِي وَجَمِيعَ أَحْكَامِي وَتَعْمَلُونَهَا} بل كما قال الروح القدس بفم بولس الرسول: {فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ فِي أَكْل أَوْ شُرْبٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أَوْ هِلاَل أَوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ.... الَّتِي لَهَا حِكَايَةُ حِكْمَةٍ، بِعِبَادَةٍ نَافِلَةٍ، وَتَوَاضُعٍ، وَقَهْرِ الْجَسَدِ، لَيْسَ بِقِيمَةٍ مَا مِنْ جِهَةِ إِشْبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ}. وعرفنا الحكمة من هذه الطقوس.
أصبح الطقس في العهد الجديد.. وسيلة تعليمية فقط لا غير.. مثله مثل الأيقونة تماما.. لشرح العقيدة والتذكر الدائم لما عمله المسيح من أجلنا، ولكي نعيش حياة المسيح - يوميا وعلى مدار السنة - لحظة بلحظة. فلم يعد الطقس صح وخطأ، أو حلال وحرام، بل عبادة بقلب واحد، وفكر واحد، وصوت واحد، وفهم واحد، وعقيدة واحدة، كما يليق بالجسد الواحد الذي للمسيح يسوع.
نصلي إلى الله أن ينجح عمل اللجنة المجمعية لتوحيد الطقوس والألحان، كما قال الروح القدس: {فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا}.
طقس الليتورجيا في كنيستنا القبطية بدأ بلبنة صغيرة وهي ما فعله الرب يسوع في ليلة العشاء الأخير.. أخذ خبزا وشكر وبارك وكسر وأعطى التلاميذ قائلا هذا هو جسدي الذي أبذله عن حياة العالم!
وهكذا فعل الرسل أيضا: {لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ.}
ثم أضاف الرسل فيما بعد العظة التعليمية (نواة قداس الكلمة) قبل كسر الخبز (الإفخارستيا) الذي كان يتم في يوم الرب (الأحد) فقط {وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.}
وهكذا إنتهى العصر الرسولي والقداس يتكون من هذين الجزئين فقط لاغير.. {حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.}
{وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ}
-----
تطور القداس الإلهي من عصر الرسل حتى يومنا هذا، في كل زمان كان أناس الله القديسون يضعون لبنة في هذا البناء الرائع حتى أصبح صرحا شامخا في صورته التي نراها اليوم، كل كلمة وكل حركة طقسية وضعها أناس بالروح القدس، وكل منها تسير في نفس الإطار اللاهوتي التعليمي لا أكثر ولا أقل، بعضها فرضته الظروف الحياتية والشعبية، وبعضها وضع من أجل مناهضة تعاليم وهرطقات، وبعضها من أجل تثبيت العقيدة الصحيحة... والأمثلة كثيرة ولا تحصى!
ولكن في النهاية لا يستطيع أحد أن يزيل أية لبنه من هذا البناء بدعوى أنها أضيفت في القرن الرابع عشر أو التاسع عشر أو حتى الواحد والعشرون مالم تكن مخالفة للإيمان والعقيدة، وإلا سينهار البناء كله!!
نقطة أخرى يجب أن نعلمها جيدا.. أن الإضافات التي تمت على القداس، لم تتم كلها على مستوى الكرازة المرقسية، ولا في كنيسة واحدة أو منطقة واحدة! بل كانت كل منطقة أو كنيسة كبيرة في المنطقة تضيف ماتراه مناسبا لحالة الشعب واحتياجه، وبالتالي أصبح عندنا عدد كبير من الطقوس المختلفة بين الكنائس وبعضها البعض، وأشهر تلك الإضافات كانت تتم في الكنيسة المعلقة، وفي دير أنبا مقار وأنبا أنطونيوس، والبهنسا، وسدمنت، وفي كنائس أخرى في الصعيد، فكلما يأتي أسقفا أو كاهنا عالما في الكنيسة كان يضيف مايراه مناسبا، وكان الجميع يخضعون له بسبب علمه وتقواه، ويستقر ما أضافه في الكنيسة من جيل إلى جيل.
وكان التسليم الطقسي يتم شفاهة من كاهن إلى آخر، وما تم تدوينه من خولاجيات يعتبر قليل جدا، ولذلك عند الدراسة نلجأ عادة للخولاجيات المدونة وإهمال التقليد أو التسليم الشفاهي!! على الرغم من إحتفاظنا بكثير من الحركات الطقسية غير المدونة في المخطوطات وانتشارها في أغلب الكنائس المصرية.
--------
إذن هناك طقوس في كنائس محددة، كان لها نصيب من التدوين في المخطوطات فانتشرت بسبب هذا التدوين الكتابي، وطقوس كانت تتم في كنائس أخرى ولكن لم يكن لها نصيب من التدوين، فمنها ما إندثر ومنها ما استمر في التناقل الشفهي بالتسليم ولكن دون مرجعية (مخطوطية) معروفة!
وبنظرة شاملة للمخطوطات الطقسية القديمة نلاحظ أن ما يمارس حاليا من طقوس أضعاف ما هو مذكور في تلك المخطوطات القديمة!!
وما حدث في ألحان الكنيسة، يشبه تماما ما حدث في الطقس.. فالألحان كان تسلم تسليم شفاهي من جيل إلى جيل، ولم تكن مكتوبة أو مسجلة طوال تاريخ الكنيسة حتى بدأ العلامة الدكتور راغب مفتاح في تسجيلها على إسطوانات كرتونية من فم المعلم ميخائيل الكبير، في منتصف القرن الماضي. ثم تدوين النوتة الموسيقية الخاصة بكل لحن.
ونحن نرى إختلاف النغمة الموسيقية (مايسمى بالهزات) لكل لحن بين الكنائس بحسب المنطقة الجغرافية، ولا يستطيع أي إنسان أن يجزم أي نغمة هي التي تطابق الصورة الأصلية حيث بدأ اللحن في الدخول إلى الليتورجية، ولكن مع بداية التسجيل، واعتماد الكنيسة على المعهد العالي للدراسات القبطية كمصدر أساسي للألحان، إنتشرت طريقة واحدة للحن، في أغلب الأماكن واندثرت الطرق الأخرى.
------------------
إذن الخلاصة التي يجب مراعتها عند دراسة الطقس الليتورجي:
1- أن هناك العديد من الإختلافات في الحركات الطقسية للقداس وفي النص وفي الترتيب، على حسب المنطقة التي ينتمي إليها كل طقس.
2- أنه لا يوجد ما يسمى خطأ وصح في الطقس، بل يوجد ما هو مفهوم وما هو غير مفهوم، ولماذا كانت تتم هذه الحركة الطقسية والغرض منها!
3- أن كل حركة طقسية في القداس كانت توضع إما بسبب ظروف إجتماعية أوجبت هذه الإضافة أو بسبب هرطقة كانت منتشرة فتم إضافة جزء لدحض هذا التعليم وشرح التعليم الصحيح، أو بسبب الجهل المنتشر بين الشعب وعدم قدرتهم على القراءة فتم إضافة حركات طقسية وقراءات لتعويض عدم قدرة الشعب على القراءة في البيوت. وتعليمهم العقيدة السليمة، وأغلب القراءات المطولة التي كانت تتم في الكنيسة كانت بسبب أنه لا يوجد أي كتب مقدسة بين أيدي الشعب فكانوا يعتمدون على ما يسمعونه فقط في الكنيسة!
4- هناك فرق بين التأمل وبين فهم أسباب هذه الحركات الطقسية، فالقاعدة الأكيدة أن كل حركة طقسية لها سبب (أيا كان هذا السبب) ولم توضع إعتباطا في الطقس، والمفروض علينا، إن لم نجد أي نص صريح في المخطوطات يشرح هذه الحركة الطقسية، أن ندرس ونحلل كل حركة متى دخلت ومن الذي أدخلها لمحاولة الوصول لفهم الغرض منها، وبكل تأكيد سنجد تعليلات كثيرة، بعضها منطقي وبعضها غير منطقي، ولكن الأكيد أننا لا نستطيع أن نحكم على أصحابها بمبدأ الخطأ والصواب! أو العلم والجهل! ونهاجم بعضنا البعض ونتهم بعضنا البعض بالجهل!!
5- أن الحركات الطقسية المسلمة بالتقليد الشفاهي أكثر مما هو مذكور في المخطوطات، ولا يمكن الحكم على هذه الحركات بأنها غير أصيلة أو مضافة لمجرد عدم ذكرها في المخطوطات القليلة الموجودة لدينا.
6- ليس لدينا الحق في الحجر على أي رأي طقسي طالما لا يتعارض مع الإيمان، وطالما يشرح الحركات الطقسية الثابتة عندنا الآن بطريقة منطقية روحية إيمانية، والتي لا نعرف أصلها وزمن ممارستها من خلال المخطوطات!
7- الحكم في النهاية سيكون للجنة المجمعية في تثبيت طقس واحد وشرحه لكي يكون لكل حركة طقسية معنى إيماني وتعتبر كوسيلة إيضاح لشرح العقيدة اللاهوتية والفداء، بما يتوافق مع إيمان كنيستنا القبطية.
#وحدانيةالقلبالتيللمحبةفلتتأصل_فينا