الغني و الجاهل

  وكلمهم بمثل قائلاً: "رجل غني غلّت أرضه كثيراً" (لوقا 16:12). لقد غلّت الأرض كثيراً لرجل لم يشأ أن يعمل شيئاً صالحاً من غلته ليظهِرَ لنا طولَ أناة الربّ غير المحدودة.

فنعمة من الله كهذه تجلب قصاصاً عظيماً للأشرار. الربّ أرسل المطر إلى الأرض، والرب أرسل حرارة الشمس للبذور.

إن الأهراء ضاقت من وفرة الغلة، لكنها لم تملأ قلب البخيل الذي كان يكدس الجديد مع القديم، إذ لم يبقَ عنده محل للغلّة فقال: ماذا أصنع؟ فمَن لا يشفق على إنسان موجود في حالة ضيقة كهذه؟ لقد جعلَتْه الغلّة في حالة يرثى لها، فأمسى مستحِقّاً الشفقة.

لقد أنبتت له الأرضُ التنهدات والأحزان، وقدّمت له الاهتمامات والصعوبات المخيفة.

إن الطمّاع ينقبض حينما يخطر في باله أنه يسبّب سروراً للآخرين.

الخيرات تتدفّق من المخازن، ونفسه ترتعد خشيةَ أن تسقِط شيئاً من الحبوب خارجاً، فيستفيد منها الآخرون.

إن مَرَض الغني الطمّاع كمَرَض الشَرَه الذي يؤثِر التمزّق من النهم والشراهة، على أن يشاطره المحتاجون فضلات الطعام.    

تشبّه أيها الإنسان بالأرض، واعطِ ثمراً مثلها، حتى لا تكون أسوأ من المخلوقات الجامدة.

لقد انبتت الأرض البذور، لا لأجل منفعتها بل لتغذيك بثمارها، وتنفعك. فاثمرْ أنت بالإحسان ليعود عليك بالنفع، لأن الشكر على عمل الخير يعود للمعطي.

إنّ ما تعطيه للمحتاج يكون خاصتك ويُرَدّ إليك مع الفائدة.

إنّ حبة الحنطة المُلقاة على الأرض تعطي الأضعاف لملقيها، هكذا الخبز المُعطى للجياع يعطي أضعاف أضعافه للمعطين. فليكن قصدك في الابتداء الزرع السماوي حسب كلمة الله: "ازرعوا لكم بالعدل" (هوشع 12:1)

"الصيت أفضل من الغنى الكثير" (أمثال 22:1) إن كنت تحب المال، وتحسب وجوده عندك شرفاً لك، فاعلم أنّ الأفضل أن تكون أباً للألوف، من أن تكون ألوف الدنانير في صندوقك.

المال يبقى على الأرض هنا، أمّا مجد الأعمال الصالحة فيبقى لك حينما تقدَّم هذه الأعمال للسيد، ويحيط بك الكثيرون يوم الدينونة داعين إياك محسناً ومنعماً ومحباً للبشر، ويقبلك السيد، ويثني عليك الملائكة، ويغبّطك البشر مهما كثروا، منذ بدء العالم.

المجد الأبدي والإكليل الحقيقي والملكوت السماوي يكونون جائزةً لك لحسن تصرفك بالمقتنيات الفانية.

فاجعلْ ثروتَك لقضاء حاجات كثيرة مبيناً الأفضل منها للإنفاق على المحتاجين، فيقالُ لك "بدَّدَ وأعطى المساكين فبِرُّه يدوم إلى الأبد" (مزمور 9:111) لا ترفع الأسعار منتظراً الغلاء بل في أيام الضيق افتح أبواب أهرائك لأنّ "الذي يحتكر الحنطة يلعنه الشعب" (أمثال 26:11). لا تنتظر لأجل الذهب، ولا الغنى لأجل الكسب.

لا تجمع المال من ويلات الشعب، ولا تجلب غضب الربّ عليك لأجل أطماعك. وزِّع على المحتاجين اليوم ما قد يفسد غداً.

ضعْ نصب عينيك الغني المُدان الذي خزن الحاضر واضطرب لأجل المنتظَر، وهو لا يعلم، أيعيش إلى الغد أم لا. قد أخطأ اليوم، وفي الغد ظهرت قساوتُه قبل أن يتقدّم منه أيّ سائل. وهكذا استحقّ الدينونة لطمعه قبل أن يجمع الثمر.    

إنّ الذي تُطلَب منه نفسه قريباً يفكر في ذاته: أهدم أهرائي وأبني أكبر منها. حسناً تفعل، لأنّ أهراء الباطل قائمة لكي تُهدم لأنك تهدم بيديك ما بنيتَه رديئاً. أكسر عنابرَ القمح التي لم ينصرف منها أحدٌ عنها مسروراً.

إهدم البناء المحفوظ بالطمع! إفتح للشمس الحنطة المكسوة بالعفن! إفتح لدى الجميع المأوى المظلم لإله المال.    

أهدم أهرائي وأبني أكبر: وإذا ملأتَ الأكبر فما الذي تعمله بعد؟ هل تهدمها مرة ثانية لتبني أكبر منها أيضاً؟ إن شئتَ أن يكون لديك أهراء كثيرة، فهي بيوت الفقراء: "فأكنز لك كنوزاً في السماء حيث لا يفسد سوس ولا آكلة ولا ينقب سارقون ويسرقون" (متى 20:6).

ربما اعترضتَ قائلاً: أنني سأعطي الفقراء بعد إملائي الأهراء الثانية. إنك أعددت لنفسك سنوات كثيرة فاحذر من أن يكون غداً آخرَ أجَلك. إنك بوعدك هذا تظهِر الخداعَ لا الصلاح.

إنّك تَعِد بما لا تنوي وفاءَه، فما الذي يمنعك عن العطاء الآن؟ ألأنّ عدو الفقراء قليل، وأهراؤك ناقصة، أم لأنّ الجائزة لم تعدّ والوصية مبهمة؟ إن الجائع هزيل، والعريان يرتجف، والمدين سجين، وأنت تؤجّل عمل الرحمة إلى الغد، ناسياً كلام الحكيم المملوء من روح الله: "لا تقلْ لصاحبك اذهب وعُدْ فأعطيك في غد إذا كان الشيء عندك" (أمثال 28:3).

كم من الشكر يجب أن تقدّم للمنعم العظيم الذي لم يحوجك لكي تقف عند أبواب غيرك، بل الآخرون يأتون إليك، ولكنك أنت تحاول ألاّ تشاهد المحتاجين حتى يفلت الإحسان من يدك؟ فأنت فقير في الحقيقة بالمحبة، بمحبة البشر، بالإيمان بالله، بالرجاء الأبدي.

وما دمتَ تجهل الخيرات الروحية، فما الذي تقدمه لنفسك من الغذاء الجسدي؟

يا نفسي إنّ لكِ خيرات كثيرة موضوعة، كلي واشربي وتنعمي يومياً. لو كانت نفسك ملأى بالأعمال الصالحة لكانت لك الخيرات الكثيرة.

ولكن، إن جعلت بطنك ربّاً لك فاسمع ما يدعوك به السيد ذاته: يا جاهل، في هذه الليلة تطلب نفسك منك، فهذا الذي أعددته لمَن يكون؟ إنّ الخسارة بسبب هذا الجهل أشد وطأة من العذاب الأبدي!    

قد تعترض وتقول: لمن أُسيء إذا تصرّفتُ كما أريد بما يخصّني؟

ما الذي يخصّك، ألم تخرج عرياناً من جوف أمك؟ ألم تعدْ إلى الأرض عرياناً، فأنّى لك ما لديك؟ فإن قلت أنه جاءك بطريق الصدفة، فإنك تنكر جميل الوهّاب. وإن اعترفت بأنه من الله، فأَرِنا الأسباب التي بها حصلت عليه.

ترى، هل الله غير عادل بتوزيعه علينا لوازم المعيشة؟ لماذا أنت غني والآخر فقير؟

أليس لتحصل على الجائزة من أجل حسن تدبيرك، وليحصل هو كذلك عليها لحسن اصطباره، أم أنت احتكرت كل شيء لتشبِع طمعك، وأنت تظنّ أنك لم تُهِن الآخرين، ولم تغتصب حقوق الكثيرين؟

إنّ الخبز الذي تحتكره هو للجائع، والثياب المحفوظة في صناديقك هي للعريان، والأحذية العتيقة التي عندك هي للحافي، والفضة المخزونة عندك هي للمحتاجين. فاهتمّ ليكون ما يخصك فداء عنك، لتستحق الخيرات السماوية، بنعمة من يدعوك إلى ملكوته السماوي الذي له المجد والملك إلى دهر الداهرين. آمين