من ثمار الصوم

الصوم سلاح روحى:

1- “عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش 40: 1 -2)

إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت.

أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغي عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية.

وبناء عليه فإنني ُأعِد جنوداً للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرووة لتقديم النصيحة والإرشاد.

ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التيَ ُتمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعي إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا ُتصارعون مع لحم ودم، بل “مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد البشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12). إذاً فى هذه الحرب من الضروري ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن منَ يجاهد، بينما الصوم يقوي الانسان التقى.

حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحي. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكى بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.

الصوم رفيق حسن في الطريق:

2- إذا فالصوم – لأولئك الذين يعرفون قيمته – هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنقوا بالصوم، وبالأولى جداً الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض.

وأيضاً الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغي لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين.

وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلنحذر- ربما بسبب شهوة عابرة للأكل – أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك فى حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم.


فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن ُتعد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغي أن ُتبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقره بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم.

وإن كنت فقيراً، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائماً بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم؟ فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة.

لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها.

بالنسبة للذين يرتحلون كثيراً، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزناً وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة؟ فإن الجنود يُزودون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تثير المتع.

أما من جهتنا نحن الذين نحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن تُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفي بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوي.

الصوم وحياة التقوى:

3- “فاشترك أنت فى احتمال المشقات كجندى صالح…


وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونياً” (2تى 5:3). ينبغي علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطري الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقاً لأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندي الذي له طعام أقل له رتبة أعلى.

كما أن خوذتنا تختلف جوهرياً عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي ُتصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد ُأعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1 تس5 :8).

والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد ُسيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف 6: 16-17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالي فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي ُيقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم.

إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبٍل على تعاليم الكنيسة بفرح، كما يفرح الطفل بأمِِهِ.

لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذاً متى ُصمت لا تكن عابساً مثل اليهودي، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت 6: 16- 17 ).

بمعنى أنه لا ينبغي أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيداً أن “الجسد يشتهى ضد الروح والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا5 :17). إذا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهى


ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.

الصوم ونقاوة النفس:

4- إذاً، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا ُتفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث.

فكما أنه لا يوجد أحد- عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين – يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضاً ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهاراً إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم.

إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة 1 . إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غداً ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائماً وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخراً لم تشرب خمراً بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقي هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأن


حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك فستعبد للسكر وستظل محصورا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يعد دليلاً واضحا على العبودية.

وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك “فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله (1كو 6: 1). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون.

ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السكر يبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق يقللون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!.

كما أنه ليس من الحكمة في شيء أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.

الصوم هو معلم الهدوء:

5- والصوم يحفظ الأطفال ويهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارا. لأن الشيخوخة عندما تكون مزينة بالصوم، تصير أكثر وقارا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان


كما يُمثل الصوم حفظاً للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغي أن تكون موضع اهتمام كل بيت.

ولنرى كيف ُتمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب.

وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضاً الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأي رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغاني الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها سُتطرد خِفية ًمن المدينة عندما يحل الصوم كما لو، أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد.

فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شيء يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها.

لو ساد الصوم، فلن ُتصنّع الأسلحة ولن ُتقام المحاكم ولن يسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة.

لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقاً بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضاً لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب 18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة


بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضاً الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا رحلنا عن هذه الأمور، فلن يكون هناك شيئا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس ملوءة بالهدوء .