اولاً : الحكمة في الكتاب المقدس وفكر الأباء
+ الحكمة ليست مجرد ذكاء أو معرفة عقلية، بل هي حياة نعيشها في مخافة الله وهي اتحاد مستمر بالله { رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ} ( أم ٩:١٠). الحكمة هي أن يرى الإنسان الأمور بعين الله، ويختار ما يرضيه، ويسلك بتعقّل روحي وسط عالم مضطرب. والإنجيل لا يكتفي بالدعوة للحكمة، بل يدعونا إلى محبة الحكمة وطلبها وأقتنائها كما نطلب كنز ثمين { إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ}( أم ٤:٢-٥). والحكمة عطية إلهية ننالها بالصلاة والجهاد الروحي { وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ} ( يع ١:٥). فالحكمة تقودنا إلى الحياة الأبدية كالعذارى الحكيمات { لأَنَّ الَّذِي يَجِدُنِي يَجِدُ الْحَيَاةَ} ( أم ٣٥:٨). وكلمنا ثبتنا في المسيح وثبت كلامه فينا نقتني الحكمة منه فهو أقنوم الحكمة { الْمَسِيحُ قُوَّةُ اللهِ وَحِكْمَةُ اللهِ} ( ١ كو ٢٤:١). واقتناء الحكمة في جوهره هو أقتناء المسيح.
+ الحكمة في فكر آباء الكنيسة
يقول القديس الأنبا أنطونيوس الكبير «ليس الحكيم من يعرف كثيرًا، بل من يعرف كيف يرضي الله في كل حين.» ويرى أن الحكمة تبدأ من معرفة الإنسان لضعفه واتكاله الكامل على الله. ويرى القديس أغسطينوس أن الحكمة هي أن تحب الله، وكل معرفة لا تقود إلى المحبة هي جهل. ويري القديس مار إسحق السرياني أن الحكمة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان طريقه إلى التوبة والصمت والصلاة.»
ثانياً : الحكمة في الحياة العملية
الحكمة ليست بعيدة عن واقعنا اليومي، بل يجب أن تظهر في تفاصيل الحياة في الكلام والصمت والتفكير وفي اتخاذ أي قرار، فلا نتسرع بل نصلي ونستشير ونفحص الأمر على ضوء وصايا الله. والحكمة في العلاقات تظهر في المحبة بلا سذاجة والغفران بلا ضعف والصراحة بلا قسوة. والتمييز والأفراز في ما نقرأه ونكتبه ونعمله والحكمة تظهر حتى في الضيقات والألم والمرض فالحكيم لا يسأل: لماذا يا رب؟ بل يقول ماذا تريد أن تعلّمني؟.
ثالثاً: كيف نقتني الحكمة؟
١- مخافة الله .. من يعيش في مخافة الله ويحرص علي أرضائه يقتنى الحكمة { وَقَالَ لِلإِنْسَانِ: هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ، وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ».} (أي ٢٨: ٢٨). وكلما كان المؤمن مسكن لروح الله القدوس، روح الحكمة والفهم وأطاع وأنقاد للروح القدس يقتني الحكمة كما جاء في النبي عن السيد المسيح في تجسده { وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَةَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. }(إش ١١: ٢-٥)
ونحن كابناء لله يجب أن نقتدى بمسيحنا القدوس ونسير علي أثر خطواته.
٢- قراءة الكتاب المقدس بتواضع قلب..
الكتاب المقدس كتبه أناس الله القديسين مسوقين بالروح القدس، وكلمت تأملنا في كلام الله وحولنا لسلوك وحياة نقتني ونسلك بحكمة، هكذا كانت وصية الله ليشوع أبن نون { لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ.} (يش ١: ٨).
فالذي يريد الحكمة يلهج في كلام الله { فَمُ الصِّدِّيقِ يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ. شَرِيعَةُ إِلهِهِ فِي قَلْبِهِ. لاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ.}(مز ٣٧: ٣٠، ٣١). ولهذا يدعونا الكتاب للسلوك بحكمة{ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ.}(أف ٥: ١٥-١٧)
٣- الصلاة الدائمة.. الصلاة تجعلنا علي أتصال دائم بمصدر الحكمة ومنه ننال الحكمة والمشورة والفهم. هكذا طلب سليمان في صلاة الي الرب الحكمة من الله واعطاها له { فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لأَنَّهُ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ الْعَظِيمِ هذَا؟» فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، لأَنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ هذَا الأَمْرَ.} ( ١مل ٣: ٩، ١٠)
٤- الجلوس مع الحكماء والاصغاء لكلامهم بفهم والطاعة لإرشادهم الروحي والتوبة عن الخطايا والأخطاء ينمى المؤمنين روحياً هكذا كانت التلمذه علي القديسين والحكماء تصير الجهال حكماء في كل جيل.
+ صلاة من أجل اقتناء الحكمة
يا ربنا وإلهنا ومخلصنا الصالح، المذخر لنا فيه كل كنوز الحكمة والعلم، أنت ينبوع الحكمة والفهم، أنر عيون قلوبنا وامنحنا قلبًا حكيمًا يفهم مشيئتك.
علّمنا أن نختار ما يرضيك، وأن نميز بين صوتك وأصوات العالم، وأن نسلك لا حسب أهوائنا بل حسب روحك القدوس. أمنحنا حكمة في الكلام والصمت وتعقّل في القرارات، ومخافة ومحبة ممزوجة بالفهم.
لا تسمح يا رب أن نطلب معرفة بلا حياة، ولا علم بلا اتضاع، أعطنا حكمة تقودنا إلى القداسة والخلاص. لأنك أنت الحكمة الحقيقية، لك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

