الكلمة كانت واضحة، والدعوة صريحة، لكن القلب لم يكن مستعدًا لطريق لا يشبه رغباته.
أحيانًا لا نهرب من الله خوفًا، بل اعتراضاً صامتاً على مشيئته.
نركب سفناً كثيرة تشبه “ترشيش”: انشغال، تبرير، صمت داخلي.
ومع ذلك، الله لا يتخلى عن الهارب، بل يلاحقه بمحبته، حتى في العاصفة.
العاصفة ليست دائماً عقاباً، بل وسيلة إيقاظ، لكي نكتشف أن الهروب من وجه الرب هو في الحقيقة هروب من ذواتنا ومن السلام الحقيقي.
في الظلمة والصمت، أكتشف يونان أن العمق قد يكون مكان نعمة لا هلاك.
بطن الحوت صار مذبح صلاة، حيث أنكسرت الكبرياء وأنفتح القلب.
حين تُغلق الأبواب من حولنا، قد يكون الله يفتح بابًا داخلنا.
يونان لم يتغير بالموعظة، بل بالإنتظار، ولم يتعلم في النجاح بل في العجز الكامل.
كثيراً ما يسمح الله أن ننزل إلى القاع، لا ليغرقنا، بل ليعلّمنا أن الخلاص ليس في قوتنا ولا في خططنا، بل في صرخة صادقة تخرج من قلب منكسر.
نجحت الرسالة، وتابت نينوى، لكن يونان لم يفرح.
هنا يظهر الصراع الأعمق: قبول رحمة الله للآخرين.
أحيانًا نحب عدالة الله حين تدين غيرنا، ونرفض رحمته حين تشمل من لا نستحقه في نظرنا.
الله علّم يونان من خلال اليقطينة أن قلبه أوسع من تصنيفاتنا، وأن رحمته لا تُقاس باستحقاق البشر بل بطبيعته الصالحة.
قصة يونان لا تنتهي بإجابة، بل بسؤال مفتوح: هل نريد إلهًا يوافق تصوراتنا، أم إلهًا يغيّر قلوبنا لتشبه قلبه؟


