" لا تكن يدك مبسوطة للأخذ، مَقْبُوضَة عن العطاء." ( يشوع بن سيراخ ٣٦:٤)

هل يأخـذ أحـد ثمـن الهـدية ؟

رن جرس الباب، فنظرت إلى الساعة، ووجدتها تُشير إلى السابعة مساء.
لابد أنه اللبّان...لقد أعتاد أن يأتى فى مثل هذا الوقت طوال السنوات الماضية.
كان شخصاً مسيحياً، محباً، بشوشاً، لا تفارقه الابتسامة، وهو اعتاد أن لا يأتى من تلقاء نفسه فى أيام الصوم، لأنه يعرف إننا لن نحتاج إلى اللبن.
المهم، فتحت الباب...."أهلاً بك، إزيك يا عم جرجس؟". "الحمد لله". قالها باقتضاب شديد و بلهجة حادة. صب لى ما أحتاجه من اللبن، ودخلت لأحضر النقود و أعطيها له و قلت:"أراك كئيباً على غير العادة ماذا بك؟".
"أبداً واحدة من الزبائن - مدام دميانة - أنتِ تعرفينها،عليها لى مبلغ كبير من المال، نظير لبن بعته لها علي مدار الثلاثة أشهر الماضية،وقد انتقلت إلى بيت آخر ولم تترك عنوانها الجديد ولا يعرف أحد من جيرانها أين ذهبت".
 لم أعرف ماذا أقول فتمتمت ببعض الكلمات مثل: "معلهش..ولا يهمك".  
كنت أعرف دميانة، وأراها دائماً مع أولادها الصغار الأربعة. ظروفها المادية كانت صعبة، و زوجها كان يبحث عن عمل آخر مُجزى.
مرت ثلاثة أيام صوم يونان، لم أرى فيها عم جرجس، و لكن عندما جاء بعد الصوم،
وجدت أن حاله لم يتحسن، بل بالعكس تحولت الكآبة إلى غضب و عصبية...
فسألته "هل مازلت متأثراً بما حدث؟"
"نعم" لم يهن علىّ أن أرى شخصاً مرحاً، يمتلئ مرارة بسبب موضوع مادى.
فقلت له: "نصحتنى جدتى زمان أنه عندما يأخذ أحداً شيئاً يخُصنى رغماً عنى، أعطيه له هدية منى". "ماذا تقصدين؟"
"يجب أن تعطى اللبن هدية منك لدميانة و أولادها، و تذكر أنه لولاك لما شرب الأطفال لبناً دافئا ًفى أشهر الشتاء الباردة". و لكن اللبن قيمته حوالى مائة جنيه، وأنا لم اُعط أحداً من قبل هدية ثمينة كهذه" "تذكر وصية الرب يسوع، من أخذ الذى لك فلا تُطالبه"
"لا أقدر على تنفيذ هذه الوصية، فهى صعبة جداً" قال هذا و مضى.
عندما جاءنى اليوم التالى...ضحكت معه قائلة:
"إيه أخبار الهدية يا عم جرجس؟" رد: "أحاول و لكنى لا أقدر...فمازلت أُريد نقودى" تغيب يومين و عندما رأيته قال لى: "لقد صليت كثيراً ليله أمس،
و طلبت قوة لتنفيذ الوصية...لقد أعطيتها اللبن هدية منى.وكم أنا سعيد بهذا"
 فرحت أنا أيضاً لأنه نفذ الوصية،وعاد لطبيعته المرحة البشوشة.
فى اليوم التالى رأيته يضحك قائلاً لى:
"هل تدرى ماذا حدث أمس بعد أن تركتك؟" "أحكى لى..."
"واحد من زملائى مريض، و طلب منى أن أقوم ببيع اللبن لزبائنه ريثما يتعافى من مرضه. و فيما أنا راكب الدراجة سمعت صوتاً يُنادى علىّ...عم جرجس...عم جرجس... أوقفت الدراجة لأرى صاحبة الصوت، و إذا بها مدام دميانة تجرى خلفى وتقول وهى تلهث: إزيك يا عم جرجس، أنا آسفة جداً لأننى نقلت بدون ترك عنوانى الجديد، أنا مدينة لك بمائة جنيه....صحيح أنا لا أملك المبلغ كله الآن، ولكن أرجو أن تأخذ عشرين جنيهاً الآن، و تعود مع بداية كل شهر حتى أسدد الدين كله"
سألته: "وهل أخذت العشرين جنيه"
رد بابتسامة عريضة "و هل يأخذ أحداً ثمن الهدية؟"