مقالة رائعة للشاعرة فاطمة  ناعوت
حين تزورُ إحدى كنائسنا القبطية خارج مصر، فكأنك قد دخلتَ مصرَ، وتقفُ على أرض مصرية بكل ما تحمل الكلمةُ من معنى وتاريخ وحاضرة وطباع وبشر. تلك حيلة نفعلها أحيانًا حين تضطرُنا الظروفُ للإقامة خارج مصر الوطن مدة طويلة نسبيًّا، نكسر بها حِدّة الحنين إلى الوطن، Home-sickness. تدخل أيًّا من كنائسنا القبطية خارج مصر، فتشاهد الوجوهَ الطيبة بملامحها المصرية الصميمة. الأزياء المصرية للسيدات والصبايا والأطفال والرجال. اللهجة الدارجة المصرية كما اعتادت أُذناك على سماعها فى وطنك. الترحاب المصريّ والحنوّ المصرى وخفّة الظلّ المصرية. العادات المصرية المعهودة. القفشات المصرية المعروفة بين المصريين فى أوقات مزاحهم. وإن كنتَ محظوظًا وذهبت فى يوم عطلة وتناولت الطعام هناك، ستجد كلَّ صنوف الطعام المصرى بروائحه الطيبة التى تكوّنت معها طفولتُنا وكبرنا على مذاقها. ذاك أن كلَّ سيدة من سيدات الكنيسة المصريات قد أعدّت فى بيتها الصنفَ الذى تجيد طهوَه وجلبته معها لكى يتناوله المصريون هناك، بصرف النظر عن عقيدتهم وانتماءاتهم. فكل من يدخل الكنيسة المصرية مُرحّبٌ به، خصوصًا لو كان مصريًّا. الهُوية المصرية هى فيزة الدخول التى تضمنُ لك مكانة مميزة ووقتًا طيبًا مملوءًا بالسلام داخل أى كنيسة مصرية فى أى مكان فى العالم. لن تُسأل عن ديانتك، فأنت الآن تقفُ على أرض مصرية طيبة لا تمايزُ بين العقائد، لأنها تحترم الجميعَ كونهم بشرًا. أنت الآن داخل سفارة مصرية مباركة، من سفاراتنا المصرية فى كل دول العالم. على أنها سفارة ليس بها سفيرٌ واحد، فكلُّ شعبها سفراءُ لبلدهم الجميلة مصر. فى كنيستنا المصرية فى بيروت، تذوقتُ أشهى ملوخية فى التاريخ صنعها بيده أبونا رويس راعى الكنيسة، وفى كنيستنا المصرية فى كاليفورنيا تذوقت أحلى «محشي» بيد إحدى السيدات المصريات، وفى كاتدرائية الأنبا أنطونيوس فى أبوظبى شاركتُ فى قلى أقراص الطعمية المصرية الشهية مع شقيقاتى القبطيات هناك.

إن أنت دخلت أى كنيسة فى مصر أو خارجها، دون أن تُفصح عن ديانتك الإسلامية، سوف تسمعهم فى نهاية صلواتهم يدعون بالخير والبركة لمصر ونيل مصر العظيم ولحاكم مصر، وللشعب المصرى من غير المسيحيين. جرّب بنفسك لتستمع، مثلى، بمن يدعو لك بالخير والرغد، وهو لا ينتمى لدينك، فهو يحبُّك دون قيد أو شرط. يحبك مهما كانت طبائعك وسلوكك ورؤيتك له. يحبك مُسبقًا وسلفًا كونك إنسانًا، ويحبك ويباركك حتى لو لم تحبّه.

فارقٌ واحد وحيد، يفرق بين كنائسنا القبطية داخل مصر، وبين كنائسنا القبطية خارجها. فارقٌ مُرٌّ. فارقٌ مخجلٌ.

ليس جوار أبواب كنائسنا المصرية بالخارج ذلك الشيء الخشبيّ البغيض المسمّى: «كشك حراسة»، يقبع فيه جنديٌّ مسلح لحماية الكنيسة من الإرهابيين! فقط فى مصر يوجد ذلك الشيء الُمخجل المُخزى المُهين. لماذا لا يوجد بالإمارات، مثلا، كشك حراسة على كنائسنا المصرية وكاتدرائياتنا؟ ببساطة لأن- أقولها بخجل- دور العبادة هناك غير مهدّدة. فلا موجب لحارس وسلاح وتأمين. المواطن الإماراتى، والوافد الذى يعيش فوق أرض الإمارات ووافق على شروط التواجد بها، يعلم تمام العلم أن العقيدة ليست شرطًا للحقوق والواجبات. ليست شرطًا للمواطنة. لأنها ليست شرطًا للإنسانية.

الإنسان فى الإمارات، كما هو فى سائر الدول المتحضرة فى كل العالم، يستمد حقوقه من مجرد كونه «إنسانًا». لا تنظر الدولةُ، ولا المواطنون والوافدون، إلى عِرقه أو عقيدته أو لونه أو نوعه أو طبقته. له حقّ الاعتقاد وممارسة طقوس عقيدته بكامل الأمن ومن دون حراسة. بل إن- يزداد خجلى وأنا أقولها- المعبد البوذى والمعبد الهندوسى فى دولة الإمارات، ليس على أبوابهما ذلك الكشك التأمينى المخجل. البوذيون والهندوس آمنون فى دولة الإمارات العربية المسلمة، بينما أقباطُ مصر غير آمنين فى بلادهم! أيُّ عارٍ! كلما مررتُ بكنيسة فى مصر وشاهدتُ ذلك الكشك الخشبيّ، شخصتْ عيناى فى عينى الجندى الرابض داخله، ثم أُطرقُ منه خجلا لأننى أكاد أسمعه يقول لى صامتًا: أنا هنا لأن بينكم إرهابيين يفجّرون الكنائس ويقتلون المُصلّين المسالمين! أنتم شعبٌ غير متحضر! صدقتَ أيها الجندى، بكل أسف! وجودك يجرحنى ويُشعرنى بالفشل. سأقول إننا تحضّرنا حين تتركُ مكانك جوار الكنيسة، وتذهب لتؤمّن حدودنا من الأعداء.